محمد هادي معرفة
254
التمهيد في علوم القرآن
سبب النزول أو شأن النزول : ما هو الفارق بين قولهم : « سبب النزول » أو « شأن النزول » ؟ إن كانت هناك مشكلة حاضرة ، سواء أكانت حادثة أبهم أمرها ، أم مسألة خفي وجه صوابها ، أم واقعة ضلّ سبيل مخرجها ، فنزلت الآية لتعالج شأنها وتضع حلا لمشكلتها ، فتلك هي أسباب النزول ، أي السبب الداعي والعلة الموجبة لنزول قرآن بشأنها . وهذا أخصّ من قولهم : « شأن النزول » . لأنّ الشأن أعمّ موردا من السبب - في مصطلحهم - بعد أن كان الشأن يعني : الأمر الذي نزل القرآن - آية أو سورة - لتعالج شأنه بيانا وشرحا أو اعتبارا بمواضع اعتباره . كما في أكثريّة قصص الماضين والإخبار عن أمم سالفين ، أو عن مواقف أنبياء وقدّيسين ، كانت مشوهة وكادت تمسّ من كرامتهم أو تحط من قدسيتهم ، فنزل القرآن ليعالج هذا الجانب ، ويبيّن الصحيح من حكاية حالهم والواقع من سيرتهم بما يرفع الإشكال والإبهام ، وينزّه ساحة قدس أولياء اللّه الكرام . وعليه فالفارق بين السبب والشأن - اصطلاحا - أنّ الأول يعني مشكلة حاضرة لحادثة عارضة . والثاني مشكلة أمر واقع ، سواء أكانت حاضرة أم غابرة . وهذا اصطلاح ولا مشاحّة فيه . . * * * وقولهم : نزلت في كذا . . أعمّ ، قد يراد السبب العارض ، وقد يراد شأن أمر واقع في الغابر . . وأحيانا يراد بيان حكم وتكليف شرعي دائم . . قال الزركشي : وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم إذا قال : نزلت هذه الآية في كذا . . فإنّه يريد بذلك أنّ هذه الآية تتضمّن هذا الحكم ، لا أنّ هذا كان السبب في نزولها . . « 1 » .
--> ( 1 ) البرهان : ج 1 ص 31 - 32 .